الأربعاء، 28 أكتوبر 2015

المطر و الضوء المنتظر : قراءة عامة في شعر الأديبة الفلسطينية : منى صيام رؤية الاديب : محمد الدمشقي

المطر و الضوء المنتظر :
قراءة عامة في شعر الأديبة الفلسطينية :
منى صيام
رؤية : محمد الدمشقي
.................................................
منى صيام .. شاعرة فلسطينية مدهشة ... باحثة عن التجديد ... مبحرة بعيدا في عالم الخيال و الدهشة و السحر .. متأملة ... ذكية و مبتكرة
في نصوصها الأخيرة ركزت منى على الأمل المنتظر و هذا برمزية المطر
حيث بدأت بسؤال جميل : أغدا يبقى المطر ؟ و مرت بأول أيام الشتوية بعد أن قصت علينا فانتازيا المطر و هي تتساءل : هل صار الفجر قريبا ؟ ؟؟؟
أغداً يبقى المطر ؟؟؟
سؤال يحمل في طياته ألف قصيدة فهو يفتح أبواب سماء التأمل ... المطر رمز للأمل و السقيا و الخير ...
المطر ... حديث الغيم ... دمع السماء .. سقيا الأرض ... ماء الأمل
عندما نتكلم عن المطر فهذا دليل عطش ...
المطر رمزية محيرة في تاريخ الأدب و الشعر و الكتب السماوية
فالمطر في القرآن الكريم مثلا ورد على صورتين الخير و الشر و لكنه رمز للعقاب أكثر
كقوله تعالى في سورة الفرقان :
(( وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُوراً ))
بينما كانت مفردة الماء تشير للخير
كقوله تعالى في سورة ق :
(( وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ))
بينما جاء بصيغة الخير على لسان قوم عاد
في قوله تعالى :
(( فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ))
و لهذا فللمطر رمزية عميقة مفتوحة التأويل و هذا ما أبحرت فيه منى صيام .

منى صيام كشاعرة فلسطينية تعيش معاناة القضية الفلسطينية و حصار غزة الجائر من قبل العدو الصهيوني
و المطر هنا هو الخلاص من هذا الظلم و ارتواء الأرض بالأمل
لهذا أخذ المطر المعنيين هنا فهو مطر خير و نعمة و أمل للصابرين بينما هو مطر نار و عذاب و وبال على المجرمين
تقول منى في فانتازيا المطر :
مطرٌ يغسلُ شوارعَ قلبي ،
أضلع المدينة في يد الجاني،
حبلى بالقذارة،
من يخلص يسوع من جمرة الحطب كي يمارس
القلب نبضه بين الضلوع.
ما أروعها من صورة عندما يغسل المطر شوارع قلبها فالقلب هنا عند منى هو الوطن ... و الوطن هو القلب
.. تتخيل منى أن المطر سيحرر المدينة من يد الجاني الصهيوني القذر .. و رمزية يسوع عليه السلام هنا عميقة جدا و هنا درس مهم في الرمزية و هو توافر ثلاثة أمور : ( الزمان و المكان و الحالة )
المكان جدا مناسب كون فلسطين موطن السيد المسيح عليه السلام و الزمان مناسب و هو هذه الغطرسة الصهيونية و سياستها في تدنيس المقدسات و في هذا تذكرة مهمة لكل العالم بأن فلسطين أرض الرسالات و الأديان السماوية و لا يمكن السكوت عن هذا التدنيس الصهيوني و العبث بالمقدسات و مكانتها في قلوب المسلمين و المسيحيين و حتى اليهود لو كانوا منصفين .
الحالة هي هطول المطر و المسيح عليه السلام رمز للصبر على الألم و احتمال المعاناة و هي هنا تتمنى أن تكون تلك المطر برد سكينة و أمل و علاجا لكل وجع و مصاب و ليت هذا المطر يغسل أحزان القدس و فلسطين كلها .
المطر حالة تشبه الكيمياء .. و الكيمياء هي تفاعلات بين عناصر مختلفة تفضي إلى مكونات جديدة
نرى تلك الفكرة في نص الرائعة منى : ( هل صار الفجر قريبا )
حيث تتكلم منى عن كيمياء الدمع فتقول :
وحدي أنعس في ظل الأشياء ..
وحيدا كنخلة لا تهاتف هسيسها ..
فلما تنظر من بعيد كأنك نعجة الرمل !؟
تتعثر بكيمياء الدمع
تنسكب على أروقة العشب
هذه الكيمياء العجيبة في الحياة بين الحزن و الفرح و الدمع و الأمل
فالمطر دمع السماء و هو السقيا و الأمل و الدمع قد يكون ملحاً لكنه عندما يمتزج
بالعشب يكون خيرا و نماء و هذا الانسكاب الموجود في حرف منى صيام نراه تساقطا أحيانا حيث تتكلم منى عن تساقط البسمات في نص آخر بقولها :
خيبة تكرر وجهها .. في الصباح ترسم
ابتسامتها البلاستيكية
في المساء تتقشر الابتسامة
تتساقط
.........تتناثر شظاياها
ربما لأننا غير أوفياء للفرح
للقاء الحميم بالحقيقة
لاحظوا وجود رمزية و فلسفة المطر في كل شعرها عندما تقول لقاء الحميم بالحقيقة فالمطر لقاء سماوي بين الغيوم و هذا التساقط رمز لسقوط أمور كثيرة مع تساقط المطر و هذا يوسع مفهوم المطر و يمنحه آفاقا متسعة ....
و تتوسع القطرة لتغدو بحرا يغسل الأوجاع
فتقول منى :
( وحده البحر هناك ..
......................ينتظرني
ربما لاُنظف روحي من بقايا هذا العالم
المنهك )
هي تعتبر الماء نظافة سواء كان مطرا أو بحرا أو دمعا .. هو تطهير للروح و الأرض ... و القلب و ليس مجرد سقيا و نلاحظ هذا المفهوم كثيرا في قصائد منى صيام كقولها مثلا :
( الموسيقى تغسل أوراق الوردة
تشطف تقرحات الدمع )
كل شيء جميل عند منى هو نوع من التنظيف الداخلي للروح بما في ذلك الموسيقى التي تحبها منى كثيرا و أرى بأن لوحاتها الشعرية كلها تشبه تلك المعزوفات التي تذكرها في نصوصها مثل نينوى و غيرها
المطر معزوفة السماء ... حتى أن منى تترنم به و تتلهف لمراقصته أو رقصة جميلة تحت المطر فتقول :
( إعزف ..
.......لم لا تعزف
دعني أعانقُ الحرفَ
و أنت
موسيقى
الحرف
...
.....
ارقص
..... لم لا ترقص
و في يديّ أصابع يديك
أغنية جُنَّت من إنعدام المسافة )
الحرف عند منى عزف و ترنيمة و غناء و الرقص تحرر كامل من كل أنواع القيود هو حركة تغير المجرى و تهز أوراق الشجر ....
المطر هطول يغير كل الأشياء يرسم بسمات ... يحفر .. يقشر .. يغمر .. يحرك
فهاهو يبتسم ... و يسري رعشة في البحر و يقشر برتقالة القلب و يغسلها
تقول منى :
( يبتسم من السماء السابعة غيماً
تزيد انفراجة شفتيه في السماء السادسة
يقشعر الماء في حوض المتوسط في الخامسة
تتقشر برتقالة القلب لآنه سيغسلها على
دفقة الرابعة )
كل قطرة ترسم شيئا ... تلون ... تدحرج .. تغسل هذا منظر خارجي داخلي للمطر و يعتمد على المحسوسات إضفة للشعور الخاص للشاعرة لكنها في مقطع آخر تجعله حركة داخلية عميقة تكشف الخبايا و تشعل نيران الشعور
فتقول :
( بعض البروق تدفقت .. بعض الخبايا
تبعثرت .. بعض الحكايات العجيبة تبسمت )
ثم تصف لنا منى رد فعل الكائنات تجاه
المطر حيث هاتفها العصفور سعيدا و هتفت السماء من بعيد و أوصلت رسائلها للأرض العاشقة المشتاقة و الورد غنى و كل الكائنات فرحت .. تقول :
( هاتفني العصفور مُخضرا .. كنا ثنائية
على خصر المرايا
السماء تهتف من بعيد قد جاءت رسائلي على
حفيف
لبست أرض أجدادي الفرح قد صار قاب قوسين
المطر
و أنا أراقص الماء بأقدامي الصغيرة
تتزلج حبات الرمال و تلتصق
الورد في الادغال غنى نشيده )
و الحديث عن خيال منى صيام حديث طويل فمنى لا تستخدم لغة سردية أو رومانسية عادية .. هي تسرح في الخيال و ترى الكون بعيني وردة أو فراشة ... تشاهد أمورا لا نراها بأعيننا بل بقلوبنا و أرواحنا ... تحلق بعيدا .. تسافر ... تغرق و تتلاشى
تقول منى :
( مطر يفتق ثوب غيمته
تمدد يا قلب الليل
إحتويني و أنا أعانق رذاذ غنائه
و المطر يشتد أزره
كل شرفات اللحظة في غياب
تتفتق كمياسم هطلت على فيه نحل
لا تهدأ ...
لا تصمت ...
سماء تلملم حبات المطر
و أرض تلقف دمع سماء )
و هكذا يكون المطر لوحة فنية فسيفسائية .. تلملم مكوناتها قطرة قطرة و ترسم أقواس أمل و تعيد للحياة ألوانها و خضرتها
لكن منى تصر على الأمل .. قد يسرقون المطر و خيراته ... قد يمنعون النور عن زهراته لكن باب الله مفتوح
( مد يديك لي ايها الحلم
البئر أعمق من سراب
لا تغلق أجنحة العصافير سماء
باب الله مشرع
على حافة الحلم دعاء )
و تبقى منى صيام تناجي هذا الماء القادم بالخير ... هذا الأمل المنتظر الذي سيطهر الكون من الرجز و يطهر القلب من الألم و الأحزان .. فقد طال احتباس النور و الأمل و طال حصارك يا غزة
( هي السماء الاولى اذن
هذي الرياح العطشي في قشع الغبار
في اصطياد القلق
تربت على كوخ الصبايا في الصباح
تقبل وجنة الزهر الذي انداح من صياح الديك
من فطائر التنور المزعتر
و أثواب الجبال تكسوها الحياة
القمح يُضرس يا عزيز الفلا .. مر هنا
ترجل في حضرة المطر
كنا نعد النار للفرح
صرنا نلملم النار للقدح
قد ترامت صور الماء في قزح )
و يبقى أسلوب منى هاربا من كل أنواع الحصار متحررا من القيود و القوالب الجاهزة ... متفردا في لغته و جنونه ... باحثاً عن الدهشة و العمق و الإحساس معا
موسيقى منى داخلية لكنها تظهر عندما يفيض الشوق لنغمة المطر

0 التعليقات:

إرسال تعليق